web analytics
البحوث القانونية

الإجابة على ملاحظات محكمة الاستئناف الإدانة في الدعاوى الجزائية العامة

ثالثاً: الإجابة على ملاحظات محكمة الاستئناف
❶↢ في حال ملاحظة أن رد الدعوى في غير محله لوجود قرائن تستوجب توجه التهمة والتعزير بموجبها، وأنه لا يشترط إثبات الإدانة في العقوبات التعزيرية، واستناد محكمة الاستئناف في ذلك على مبدأ المحكمة العليا رقم (21/م) في 28/04/1436هـ.
وعليه أجيب أصحاب الفضيلة بما لا يخفاهم أن الأصل براءة الذمة كما هو متقرر لدى الفقهاء، وللقاعدة الفقهية (اليقين لا يزول بالشك), والقاعدة الفقهية ( ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين ), ولما قرره الفقهاء من أن الشك دائما يفسر لصالح المتهم، قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: ( فإذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئا، أو يخطئ فيعفو عن مذنب، كان هذا الخطأ خير الخطأين ),

ولما نصت عليه المادة 38 من النظام الأساسي للحكم (العقوبة شخصية, ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي, أو نص نظامي ..), وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد 14/38 (وظهور المسلمين ودماؤهم حمى إلا بيقين), كما ذكر العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام 2/65 (الأصل براءة ذمته من الحقوق وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات), ونص ابن القيم في الطرق الحكمية 179 (والمعمول بذلك في القرائن فإن قويت حكم بموجبها وإن ضعفت لم يلتفت إليها),

ولأن ما قدمه المدعي العام عبارة عن تهم لا ترقى لدرجة اليقين ولا لغلبة الظن, فلا اعتبار لها, ولما جاء في قرار مجلس القضاء الأعلى رقم 230/4 في 26/3/1417هـ (إذ لم تؤدِّ البينات إلى يقين ولا إلى غلبة ظن فلا يمكن أن يبنى الحكم عليها، لأن الأصل البراءة حتى يثبت ما يزيلها) وكذلك قياساً على حقوق الآدميين المبنية على مشاحة التي لا تثبت إلا بيقين أو غلبة ظن, فإن حقوق الله تعالى من باب أولى لأنها مبنية على المسامحة والمساهلة,

وأما ما ذكره أصحاب الفضيلة من أن هذه القرائن تستوجب توجيه التهمة والتعزير بموجبها, فإني لا أعلم أصلاً شرعياً ولا نظامياً يجيز المعاقبة لمجرد توجه التهمة, فالمختص بتوجه التهمة وما يترتب على ذلك هي النيابة العامة، وذلك في رفع الدعوى للمحكمة حال توجه التهمة أو حفظها حال عدم توجهها كما نصت على ذلك المادة رقم (126) من نظام الإجراءات الجزائية.

كما أن الحكم بعدم ثبوت إدانة المتهم ثم الحكم عليه بعقاب يناقض بعضه بعضاً, فإن الشريعة قررت وقوع الإنسان بخطأ أو عدمه, وليس فيها ما بين ذلك, ولأن الأحكام تبنى على اليقين والقطع وغلبة الظن لا على الشك والتخمين, وأما استنادهم على مبدأ المحكمة العليا رقم (21/م) في 28/04/1436هـ، فإن هذا المبدأ منسوخ بالمبدأ الصادر منها برقم (32) في 14/08/1438هـ

والذي نص على الآتي : ( عند الحكم بالعقوبة الجزائية على ارتكاب أمر محظور, يجب النص على إثبات إدانة المتهم بالجرم الذي يقتضي هذه العقوبة, وإذا لم تقم لدى القاضي البينة التامة وقامت قرينة معتبرة أوجدت لديه القناعة بما يقتضي إيقاع عقوبة تعزيرية مرسلة, فيجب النص على إدانة المتهم بما أوجب تعزيره بهذه العقوبة).

ولا يخفى على أصحاب الفضيلة ما هو متقرر لدى الفقهاء والأصوليين بأن النص المتأخر ينسخ النص المتقدم، ومن أدلتهم على ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه (كنا نأخذ الأحدث بالأحدث من أعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم),

كما أنه في حين كونه لا يعتبر النسخ بين المبدأين فإن المبدأ رقم (21) يعتبر مخالف لنظام ولي الأمر الذي لا يجوز مخالفته، فإن الصلاحيات الممنوحة للمحكمة العليا في نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم 78/م وتاريخ 19/9/1428هـ حسب ما نصت عليه المادة الثالثة عشر منه هي (تقرير مبادئ عامة في المسائل المتعلقة بالقضاء)،

وتقرير المبادئ العامة لا يعني تعديلا للمواد النظامية التي أقرت بمرسوم ملكي مبني على مواد النظام الأساسي للحكم وعلى مواد خاضعة لنظام مجلس الوزراء، وإنما يعني وضع مبادئ تنبني على تفسير المادة النظامية، أو تخصيصا لعمومها, أو تقييدا لمطلقها، أو زيادة في قيودها،

أو تنزيلا لواقعة قضائية عليها تحقيقا لمناطها. والذي حصل في هذا المبدأ هو تعديل للمادة الثالثة من نظام الإجراءات الجزائية وليس تقريرا لمبدأ يتوافق معها. وعليه فإني أطلب من أصحاب الفضيلة إفادتي بالمستند الشرعي أو النظامي الذي يجيز للقاضي مخالفة ما نصت عليه المادة الثامنة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم (العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو نص نظامي …)

وما نصت علي المادة الثالثة والمادة الثالثة والسبعون بعد المئة من نظام الإجراءات الجزائية.

❷↢ في حال ملاحظة أن إثبات الإدانة في غير محله, وذلك لأن البينة المقدمة لم تكن بإقرار قضائي ولا بشهادة موصلة, وما ذكره المدعي العام من قرائن لا ترتقي إلى الإثبات, وإنما توجه التهمة له بما نسب إليه ويعزر بموجبها.

وعليه أجيب أصحاب الفضيلة بأنه حصل إثبات الإدانة لمجموع القرائن التي أوصلت لديّ غلبة ظن في إدانة المدعى عليه, وغلبة الظن -كما لا يخفى على أصحاب الفضيلة- تنزل منزلة اليقين, كما قررت ذلك واستدللت له بالأدلة الشرعية وأقوال فقهاء الأمة,

ومنها القاعدة الفقهية (غلبة الظن تنزل منزلة اليقين) ومنها قول ابن عثيمين في الشرح الممتع: “فالبينة كل ما أبان الشيء وأظهره، سواء كان قرينة يباح الأخذ بها، أم حجة شرعية يجب قبولها كالشهادة”. وقوله رحمه الله في تعليقاته على الكافي: “وعلى كل حال أنا أقول إن القرائن يعمل بها، لكن القرائن ليست مبنية على التهمة، بل على الحقيقة”.

ومجموع هذه القرائن تثبت قطعاً الإدانة سواءً بيقين, أو بغلبة ظن هي بمنزلة اليقين. قال الإمام الغزالي(في المستصفى): “ومجموع القرائن أيضاً قد يورث العلم”, وقال رحمه الله في القرائن “… ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال, ولكن يحسن القطع باجتماعها”,

وقد عرفت القرينة بأنها “كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه” ويؤكد ذلك ما نص عليه قرار المحكمة العليا رقم 34 في 24/04/1439هـ بأن الدليل الرقمي حجة معتبرة في الإثبات متى سلم من العوارض, والدليل الرقمي ليس إقراراً ولا شهادةً موصلة، مما يدل على أن إثبات الإدانة لا يقتصر على الإقرار القضائي والشهادة الموصلة،

بل بما قرره فقهاء الأمة وعلماؤها بأنه كل ما يبين الحق ويدل عليه. ولا يخفى على أصحاب الفضيلة أن إثبات الإدانة لازم لإصدار أي عقوبة على أي تهمة وهو ما أكد عليه مبدأ المحكمة العليا رقم ( 32 ) في 14/8/1438هـ حيث نص على (عند الحكم بالعقوبة الجزائية على ارتكاب أمر محظور يجب النص على إثبات إدانة المتهم بالجرم الذي يقتضي هذه العقوبة، وإذا لم تقم لدى القاضي البينة التامة وقامت قرينة معتبرة أوجدت لديه القناعة بما يقتضي إيقاع عقوبة تعزيرية مرسلة فيجب النص على إدانة المتهم بما أوجب تعزيره بهذه العقوبة),

وإنه ليتعجب كل مدقق في مجموع هذه الأدلة المقدمة أن تكون غير مثبتة بيقين أو بغلبة ظنٍ هي بمنزلة اليقين, ثم إنه في حال عدم قناعة أصحاب الفضيلة وتقريرهم نقض الحكم، فإني أرجو من أصحاب الفضيلة ذكر المخالفة الشرعية أو النظامية التي استوجبت نقض الحكم عملاً بقرار رئيس المجلس الأعلى للقضاء رقم 794/ت في 17/09/1437هـ وذلك كي أستفيد منها عند اصدار الأحكام في الدعاوى اللاحقة.

❸↢ الإجابة على ملاحظة أن الإقرار المعتبر هو ما كان أمام الدائرة القضائية في نظر الدعوى كما نصت على ذلك المادة رقم (108) من نظام المرافعات الشرعية.

وعليه أجيب أصحاب الفضيلة بأن إنكاره في مجلس القضاء, هو في جريمة ليست حدية بحيث تدرأ بالشبهة، ونصوص الفقهاء ظاهرة واضحة على أن إنكاره في الجرائم التعزيرية بعد إقراره الثابت لا يعتد به, حيث نصت القاعدة الفقهية على (لا عذر لمن أقر) و (المرء مؤاخذ على إقراره) جاء في المبادئ والقرارات القضائية رقم 2304 (الأصل في الإقرارات والاعترافات المؤاخذة بها, إلا ما ورد في الحدود أو قام دليل على عدم صدقه).

ورقم 2305 (لا يقبل الرجوع عن الإقرار فيما عقوبته التعزير) وكما هو مقرر في المبدأ القضائي 95/1/2 في 12/08/1430هـ والمبدأ رقم 27/1/3 في 19/12/1430هـ, وقد نصت المادة (161) من نظام الإجراءات الجزائية على أنه “إذا اعترف المتهم في أي وقت بالتهمة المنسوبة إليه,

فعلى المحكمة أن تسمع أقواله تفصيلا وتناقشه فيها فإذا اطمأنت إلى أن الاعتراف صحيح ورأت أنه لا حاجة إلى أدلة أخرى فعليها أن تكتفي بذلك وتفصل في القضية”. وبما أن ناظر الدعوى اطمأن لهذا الإقرار فإن عليه أن يحكم.

❹↢ في حال ملاحظة أن إثبات الإدانة في العقوبة الحدية يلزم منه إقامة الحد المقرر شرعاً

وعليه أجيب أصحاب الفضيلة بأن الصواب هو أن ثبوت موجب العقوبة الحدية لا يلزم منه لزوم إيقاع ذات العقوبة الحدية. وذلك إذا طرأت شبهة في الثبوت. فالشبهة هي السبب في درء الحد وعدم إيقاعه، فالذي يدرأ حال وجود شبهة هو الحد وليس موجب الحد. ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم … الخ) أخرجه الترمذي,

وقد جاء الإجماع بأن الحدود تدرأ بالشبهات. قال ابن قدامة في المغني (والحدود تدرأ بالشبهات، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهة). لذلك فإنه في حال ثبوت موجب الحد بالبينة الشرعية ووجود شبهة في هذه البينة فإنه يجب النص على ثبوت موجب الحد، كما يجب درء الحد المقرر شرعاً لوجود الشبهة, يقول الشيخ عبد الله الركبان في سياق قصة ماعز رضي الله عنه : (ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة الاحتيال للدرء كلها كانت بعد الثبوت, لأنه كان بعد صريح الإقرار به والثبوت).

وهو بخلاف التعزير الذي يقام حتى مع وجود الشبهة كما قرر ذلك فقهاء الأمة (الأشباه والنظائر ص130), وذلك كمن أقر بشرب الخمر مثلاً لكنه دفع بأنه لا يعلم أنه مسكر، فإنه يجب إثبات شربه للخمر (موجب الحد), ويجب أن يدرأ الحد عنه لشبهة جهله بكونه مسكراً،

ثم الحكم عليه بعقوبة تعزيرية. وكما لو سرق شخصٌ مكلفٌ مالاً محترماً بالغاً نصاباً من حرز معتبر من مال والده, فإنه يجب إثبات السرقة (موجب الجد) ويجب أن يدرأ عنه الحد للشبهة، ثم الحكم بعقوبة تعزيرية. فالدرء يكون بعد الثبوت, أما قبل الثبوت فلا يتصور الدرء, إذ إن الدرء يكون إلا لما يثبت, أما في حال عدم الثبوت فلا حاجة للدرء, فالدرء يكون لوجود شبهة تمنع من إقامة الحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: تنبيه: اختيار المحتوى معطل !!