البحوث القانونية

البطلان الاجرائي من منظور نظام المرافعات الشرعية في مادته ذات الصلة

Table of Contents

‏البطلان الاجرائي من منظور نظام المرافعات الشرعية في مادته ذات الصلة

البطلان الإجرائي

فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد بن سعد آل خنين 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه، أما بعد، فهذا شرح للمادة السادسة من نظام المرافعات الشرعية، ونصها يكون الإجراء باطلاً إذا نص النظام على بطلان أوشابه عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء، ولا يحكم بالبطلان رغم النص عليه إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء.

الشرح

المراد بالإجراء التصرف الذي يتخذه القاضي أو أعوانه أو الخصوم أو غيرهم ممن لهم تعلق بالدعوى لأجل تسييرها وفقا لأحكامها المقررة في المرافعات شرعية أو نظامية والبطلان في اللغة يطلق علي ذهاب الشيء، وقلة مكثه و لبثه، وكل شيء لا مرجوع له، ولا معول عليه، ومن ذلك فساد الشيء أو سقوط حكمه (1) وهو في الشرع: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بعدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه (3) فالبطلان حكم شرعي بعدم صحة التصرف بعد وقوعه، فلا يترتب عليه أثرد، قالباطل من التصرفات والإجراءات واقع فعلا، مهدر شرعاً.

والبطلان الإجرائي: هو عدم صحة التصرف الذي يتخذه القاضي ومن يتصل بالدعوي ممن له تعلق بها في تسييرها وذلك بعد وقوعه لفقده شرط أساس من شروط الدعوى وإجراءاتها لا يمكن ترتب الأثر الشرعي عليها بدونه.

مثاله: الدعوي من غير ذي صفة من صاحب المصلحة المباشرة في الدعوى، أو نائبه، وأداء الشهادة عند غير ذي ولاية مختص بسماعها، فإن الدعوى – وكذا الشهادة – تكون باطلة، وتعاد على وجه الصحة، وإلا لم يعتد بها.

طرق تقرير البطلان الإجرائي:

الطريق الأولى: نص النظام على البطلان جاء في هذه المادة: أنه يكون الإجراء باطلاً إذا نص النظام على بطلانه ، وهذه الفقرة تبين أن ثم جزاء على مخالفتة الإجراء وهو البطلان وتحدد هذه الفقرة أحد الطرق لتقرير البطلان. وهو نص النظام عليه، ومثله ما نص عليه فقهاً.

الطريق الثانية: حصول عيب في الإجراء تخلف بسببه الغرض منها جاء في هذه المادة بصدد تقرير هذه الطريق: “أو شابه عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء”، وهذه الفقرة تبين الطريق الثاني لتقرير البطلان الإجرائي وهو كون الإجراء شابه عيب تخلف سبيه الغرض من الإجراء، وذلك بتخلف ركن أو شرط في الإجراء لا يتم إلا به، وهو ما يقرره الأصوليون بقولهم: إن النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو شرطه كان المنهي عنه باطلا(3) ۔ وذلك مثل: عدم ذكر اسم المدعى عليه، أو موعد الجلسة في الإحضار، فيكون مبطلا له.

تصحيح الإجراء الذي يتوجه فيه البطلان:

يجري تصحيح الإجراء المخالف سواء أكان تقرير بطلاته بالنص عليه صراحة، أم يتص يقرر النهي عن الإجراء أو يأمر به ولو لم يصرح فيه بالبطلان، ويقع ذلك في الإجراء الصحيح غير اللازم – مثل تحليف اليمين من غير حضور المحلوف له، فإن للمحلوف له إجازة التحليف وعدم إعادته، وكذا الإجراء الناقص – مثل عدم تحرير الدعوى، فإنه يطلب من الخصم تحريرها، ولا ترد إلا إذا عجز عن تحريرها -، ولا يقع التصحيح في البطلان المطلق النهائي، الذي يتعلق بولاية المحكمة وما في حكم ذلك من كل إجراء لا يمكن تصحيحه.

وما جاء في هذه المادة: أنه لا يحكم باليطلان رغم النص عليه إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء هذه الفقرة تبين أنه إذا تحقق الغرض من الإجراء حمل على الصحة.

ومثال ذلك: تبليغ المدعى عليه الذي حصل في غير الوقت المحدد نظاماً من طلوع الشمس حتى غروبها، فإذا استلمه المدعى عليه لشخصه كان الإجراء نافذة غير باطل، لتحقق الغاية من الإجراء – وهو التبليغ -.

وإطلاق المادة لذلك – أي: لتصحيح الإجراء إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء – يوضح بأنه لا يشترط في تصحيح الإجراء إذا تحققت الغاية منه أن يكون وفق الشكل الذي قررد النظام، وهذا ما يتفق مع المنهج الشرعي.

السلطة في تقدير تحقق الغاية من الإجراء:

يرجع تقدير تصحيح الإجراء الذي توجه فيه البطلان ولو نص على بطلانه لتحقق الغاية منه إلى قاضي الدعوي، وقد بينت الفقرة الأولى من اللائحة التنفيذية لهذه المادة أن الذي يقدر تحقق الغاية من الإجراء هو ناظر القضية

وقت الدفع بالبطلان الإجرائي:

البطلان الإجرائي إذا لم يتعلق بالنظام العام يجب الدفع به قبل أي طلب أو دفاع في الدعوى، وإلا سقط الحق فيه

أما إذا تعلق بالنظام العام فيصح الدفع به في أي مرحلة من مراحل الدعوى، كما أن المحكمة تقضي فيه من تلقاء نفسها بغير طلب من الخصوم.

وفي المادتين الحادية والسبعين والثانية والسبعين بيان لوقت الدفوع.

خلاصة ما تقرر في البطلان الإجرائي:

حاصل ما تقرر في البطلان الإجرائي ما يلي:-

1- أن كل إجراء خالف أحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلا إذا عاد إلي ذات المنهي عنه أو شرطه، وهذا متقرر أيضاً في المادة الثامنة والثمانين بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية ونصها: كل إجراء مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلا

2 – إذا كان سبب البطلان عائدا إلى عدم مراعاة الأنظمة المتعلقة بولاية المحكمة من جهة تشكيلها أو اختصاصها بنظر الدعوى فيكون باطلا بطلاناً نهائياً مطلقاً، فلا يلحقه التصحيح، ويتمسك به في أي مرحلة من مراحلها، وتقضي فيه المحكمة من غير طلب.

وهذا ما نهجه نظام الإجراءات الجزائية في المادة التاسعة والثمانين بعد المائة، ونصها: “إذا كان البطلان راجعاً إلى عدم مراعاة الأنظمة المتعلقة بولاية المحكمة من حيث تشكيلها أو اختصاصها بنظر الدعوى فيتمسك به في أي حالة كانت عليها الدعوى، وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب”.

3- وفيما عدا ما مر في الفقرة الثانية – إذا كان البطلان يعود إلى عيب في الإجراء يمكن تصحيحه – يتعين على المحكمة أن تصححه.

وإذا كان يعود إلى عيب لا يمكن تصحيحه فيكون باطلاً، ولا ترتب عليه المحكمة الآثار المرتبة على الإجراء الصحيح، وتقرر المحكمة بأن الإجراء وقع باطلاً ولا يلحقه التصحيح.

وهذا ما قرره نظام الإجراءات الجزائية – كما في المادة التسعين بعد المائة -، ونصها: «في غير ما نص عليه في المادة التاسعة والثمانين بعد المائة إذا كان البطلان راجعا إلى عيب في الإجراء يمكن تصحيحه فعلى المحكمة أن تصححه، وإذا كان راجعا إلى عيب لا يمكن تصحيحه فتحكم ببطلاته».

4- من الإجراءات ما تقع فيه المخالفة، ولكن يجري تصحيحه دون إعادة، لتحقق الغاية من الإجراء فيه، مثل التبليغ الذي سلم إلى المبلغ لشخصه ليلاً واستلمه ولم يعترض على ذلك.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


  • (1) مقاييس اللغة 258/1، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 52/1
  • (2) كتابنا توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية» 252/1
  • (3) شرح الكوكب المنير العام 84/3 , 93، المدخل الفقهي الجديد لعام 649/2، 650.
  • عضو هيئة كبار العلماء
  • عضو اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى
  • القاضي بمحكمة التمييز سابقاً

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى